في مائويتها ..الرقاب تسعى لإطلاق نموذج للنجاح في تونس ما بعد الثورة

تنظم هيئات من المجتمع المدني بمدينة الرقاب في (ولاية) محافظة سيدي بوزيد أيام 09 – 10- 11 مارس الحالي تظاهرة ثقافية ثقافية وتنموية بمناسبة مرور مائة عام على تأسيس المدينة التي تقع في وسط تونس، وذلك في أول مبادرة من نوعها ترمي إلى إعطاء المدينة والمنطقة التابعة لها إنطلاقة جديدة تحت عنوان”الرقاب 100 عام مركزا”و شعار”وفاء للتاريخ..بناء للمستقبل” الذي يستقطب اهتماما واسعا وخصوصا في أوساط الشباب عبر مواقع التواصل الإجتماعي.

ويشمل برنامج التظاهرة مجموعة من الفعاليات الثقافية والفنية والتراثية والمسابقات الرياضية والترفيهية، كما يضم البرنامج محاضرات وجلسات النقاش وورشات عمل متخصصة، إذ يخصص اليوم الأول (الجمعة) لتاريخ الرقاب المحلي واليوم الثاني لتثمين التراث المحلي أما اليوم الثالث(الأحد) فسيخصص لتقديم ومناقشة تصور تنموي إستراتيجي للرقاب 2030. وضمن المحاور التي يقدم بشأنها خبراء وفاعلون محليون دراسات وأبحاث: التأسيس الإداري والعمراني للرقاب، التراث المحلي، العمل الوطني والكفاح المسلح للاستعمار الفرنسي بالرقاب. بالإضافة إلى تصورات إستشرافية للمستقبل التنموي للرقاب، ودور أبناء المنطقة المهاجرين في النهوض بها.

وتنظم التظاهرة جمعية “الرقاب تجمعنا” بالتعاون مع بلدية الرقاب وبرعاية عدد من المؤسسات الاقتصادية والثقافية، وتعبئ الجمعية عشرات النشطاء والكفاءات الشابة من أبناء المنطقة من أجل إنجاح هذه التظاهرة التي تغطيها وسائل إعلام محلية وعربية وأوروبية. وفي الوثيقة التقديمية للتظاهرة تبرز الهيئة المنظمة بأنها تسعى عبر برنامج تظاهرة “الرقاب: 100 عام مركزا” أن تقدم “مجهودا مشتركا لتوثيق جذور الإنتماء للموطن والوطن والوفاء لإرث الأجداد و نعمل على أن يكون في مستوى ما قدمه أبناء الرقاب من دماء شهداء وبما يعكس جهدهم في تنمية موطنهم كما نريدها تظاهرة تستشرف مستقبل الرقاب مدينة و ريفا وفق رؤية إستراتيجية و تنموية للرقاب التي تجمعنا.”

موقع استراتيجي

ويعيش في منطقة الرقاب زهاء 60 ألف نسمة، 18 في المائة منهم في مدينة الرقاب المركز الحضري للمنطقة، ويعتمد سكانها بالأساس على الزراعة وتربية المواشي والتجارة. وتتميز بموقع جغرافي استراتيجي في وسط تونس اذ تقع في مفترق طرق تتجه شمالا نحو العاصمة تونس عبر القيروان، وجنوبا نحو ليبيا عبر مدينة قابس وغربا نحو الجزائر عبر مدينتي سيدي بوزيد والقصرين، وشرقا نحو صفاقس ومدن الساحل التونسي.

ولا يفصل منطقة الرقاب عن سواحل البحر الأبيض المتوسط سوى 100 كيلموترا، وهي نفس المسافة التي تفصلها عن مدينة صفاقس عاصمة جنوب تونس وثاني أكبر مراكز البلاد الإقتصادية. وتقع الرقاب جنوب مدينة القيروان المعروفة بكونها من أهم مراكز الحضارة الإسلامية في شمال أفريقيا. والرقاب هي دائرة معتمدية تابعة لولاية سيدي بوزيد التي تحدها جنوبا منطقة قفصة الغنية بالفوسفاط والجريد التونسي المعروف بواحاته الخلابة. كما تحدها غربا ولاية القصرين الحدودية مع الجزائر.

وتقع منطقة الرقاب وسط شبه نصف دائرة من الجبال التي تحيطها غربا وجنوبا ولا تفصلها شرقا حواجز أو تضاريس عن شواطئ البحر الأبيض المتوسط، وهو ما يمنحها طقسا جافا وخلابا وتتميز أراضيها بالخصوبة والسهول المنبسطة.

رصيد تاريخي

وتعتبر منطقة الرقاب إحدى أهم المعاقل التاريخية للكفاح التحريري ضد الإستعمار الفرنسي، وهو توثقه شهادات تاريخية ووثائق في كتاب”الرقاب: من التحرير إلى التعمير” لمؤلفه محمد العربي الزريبي مؤرخ المنطقة ورئيس جمعية “الرقاب تجمعنا”. لكن الرقاب في عهد دولة الاستقلال تعرضت مثلها مثل مناطق عديدة في غرب وجنوب البلاد للتهميش.

ويتميز سكان المنطقة الذين ينتمي معظمهم إلى عروش وقبائل الهمامة بنخوة شديدة، وتعتبر خزَّانا تاريخيا للحركات النقابية والسياسية والاحتجاجات والانتفاضات التي شهدتها البلاد. وعندما اندلعت أحداث الثورة التونسية في سيدي بوزيد إثر إقدام محمد البوعزيزي في السابع عشر من ديسمبر 2010على حرق نفسه، كانت الرقاب المجاورة في طليعة الانتفاضة، وتعرضت لقمع شديد وحصار سقط فيه ستة شهداء من شباب المنطقة الذين أبلوا في مواجهة بطش قوات الأمن التي ظلت تطلق الرصاص الحي فيها دون توقف حتى بعد إعلان الرئيس السابق زين العابدين بن علي، وقف اطلاق الرصاص.  

وزائر مدينة الرقاب يستقبله نصب تذكاري أُقيم في “ساحة الشهيد” ويرمز إلى ملحمة شباب المنطقة خلال الثورة، ويفسر أهالي المنطقة شراسة أجهزة الأمن بوجود تعليمات ربما من بعض أفراد عائلة بن علي الذين كانت لديهم مشاريع زراعية في المنطقة المعروفة بخصوبة أراضيها ووفرة مواردها المائية. حيث كان أبناء المنطقة يُستغلون كيد عاملة بأبخس الأثمان، بينما تُبتاع أراضي المنطقة وتقام عليها مشاريع ويوجه انتاجها للتصدير خارج البلد، دون أن تستفيد منها المنطقة. وهي معطيات كشفت عنها تقارير عديدة ضمن ملفات الفساد التي كُشف عنها النقاب بعد الثورة.

تهميش إقتصادي

وتاريخيا كان سكان المنطقة يعيشون على الزراعة والرعي ولم تكن ندرة المياه وقلة الأمطار تسعفهم سوى بانتاج موسمي متقلّب، ولكن اكتشاف موارد مائية باطنية كبيرة ساهم في إحداث طفرة زراعية خلال العقود الثلاثة الأخيرة فتحولت المنطقة إلى مصدر للمنتوجات الزراعية إلى مناطق تونس المختلفة.

بيد أن ضعف البنيات التحية وعدم تحقيق تنمية مستدامة وهيمنة مظاهر الاستغلال الاجتماعي جعل فئات واسعة من سكان المنطقة لا يستفيدون من ثمار التنمية المحلية، مما أفرز موجات نزوح وهجرة نحو مناطق أخرى من تونس أو خارجها. وخصوصا فئات الشباب وضمنهم المتعلمون وحاملو الشهادات الجامعية.

وإلى حدود سنة 2011 عندما اندلعت أحداث الثورة، كان معدل بطالة الشباب حاملي الشهادات في سيدي بوزيد من أعلى المعدلات في تونس، اذ فاق سنة 2012 معدل 40.2 في المائة. كما ظلت سيدي بوزيد ولسنوات طويلة قبل الثورة تشهد أكبر معدلات البطالة العامة مقارنة بباقي مناطق البلاد، اذ كان يتجاوز 27 في المائة في سيدي بوزيد بينما كان المعدل العام بتونس في حدود 17,5 %.

دور رائد للشباب والمرأة

بخلاف مناطق عديدة من البلاد تشهد منذ الثورة اضطرابات واحتجاجات مزمنة، ترسم منطقة الرقاب لنفسها مسارا يتسم بخصائص مميزة.

فالمدينة والبلدات التابعة للمعتمدية (الدائرة) تشهد من حين لآخر احتجاجات تُرفع فيها مطالب اجتماعية أو سياسية، لكنها لا تصل إلى حد إحداث شلل للنشاط الاقتصادي أو إخلال بالوضع الأمني. وتلعب هيئات المجتمع المدني بقيادة الشباب فيها دورا مؤثرا لجهة تأطير الحراك الإجتماعي والثقافي والسياسي بالمنطقة.

وصنفت بلدية الرقاب كواحدة من أفضل ست بلديات في تونس ما بعد الثورة، من حيث مشاركة الشباب والمجتمع المدني في إدارة الشأن المحلي، وذلك بحسب تصنيف مشترك صدر سنة 2016 عن هيئة التعاون بين المدن والبلديات CoMun ووكالة التعاون الدولي الألمانية GIZ.

لكن مشاكل بطالة حاملي الشهادات الجامعية وضعف اليد العاملة المتخصصة في القطاعات الإقتصادية الاستراتيجية، ما تزال تكبح نهوض هذه المنطقة الواعدة..ويتوقع خبراء أن تكون الرقاب في مرحلة ما بعد الانتخابات البلدية المقبلة(مايو أيار 2018)، في حال توفر عوامل الدعم والحوافز، إحدى نماذج النجاح في مجال التنمية المستدامة والديمقراطية المحلية بتونس.

وتعتبر منطقة الرقاب التابعة لولاية سيدي بوزيد واحدة من سبعة مناطق زراعية تونسية تستقطب برامج الدعم الاقتصادي من مؤسسات دولية وأوروبية، وخصوصا في مجال النهوض بالمشاريع الفلاحية على غرار 15 برنامج ترعاه وكالة التعاون الألماني GIZ ، وتشمل فلاحين صغار ومتوسطين في قطاعات الزراعات البيئية والبيولوجية. ويساعد ذلك في ظهور فئة جديدة من المؤسسات الفلاحية الصغرى والمتوسطة وضمنها نسبة مهمة تقودها نساء.

وفي تقرير لوكالة التعاون الألماني يبرز كيف ساهمت برامج التعاون التقني وفي مجال التكوين في رفع كفاءة نساء من المنطقة على قيادة مؤسسات زراعية أهلية تتحدى الصعوبات المحلية وقلة موارد التمويل، عبر تطوير الانتاج المحلي مثلا في قطاع زيت الزيتون البيولوجي وتصديره من مزارع الرقاب ووفق معايير جودة عالمية إلى الأسواق خارج تونس.

بيد أن نهوض القطاع الزراعي بالمنطقة يسجل معه ظواهر تبعث على قلق الخبراء، ومن أهمها أولا ظاهرة استخدام واسع لليد العاملة النسائية وخصوصا من الأرياف، ويرافق ذلك أحيانا مظاهر استغلال وعدم توفر ضمانات إجتماعية وقانونية. وثانيا، الاستغلال المفرط للموارد المائية بما يحمل معه من مخاطر بيئية في المستقبل.

خصوصيات هجرة أبناء الرقاب

وبخلاف مناطق عديدة من تونس، فان منطقة الرقاب ليست مصدرا كبيرا للهجرة إلى الخارج بل بالأساس إلى السوق الداخلي، اذ تسجل تقارير رسمية تونسية أن ثلثي المهاجرين من منطقة سيدي بوزيد يستقرون داخل مناطق أخرى من تونس مثل صفاقس والساحل وتونس العاصمة، مقابل ثلث يتوجه إلى خارج تونس. وتمثل ليبيا أكثر نقطة جذب تاريخية للهجرة من منطقة الرقاب، وشكلت عبر عقود طويلة مصدرا مهما للدخل المحلي للأسر في الرقاب. بيد أن عدم استقرار سوق العمالة في ليبيا خلال العقدين الأخيرين سواء بسبب اضطراب العلاقات بين تونس وليبيا أو بسبب دخول ليبيا في حالة عدم الاستقرار إثر أحداث الربيع العربي، هذا المناخ جعل الرقاب وعلى غرار مناطق أخرى في جنوب ووسط تونس تتضرر على مستوى دخل الأسر وعلى مستوى إستفادة الاقتصاد المحلي من السوق الليبية.

وخلال السنوات الأخيرة شكلت منطقة الخليج العربي وأوروبا وخصوصا ايطاليا وفرنسا وألمانيا، وجهة أساسية للمهاجرين من أبناء الرقاب. ويسجل بينهم كفاءات عالية، وهو ما يطرح برأي خبراء ضرورة التفكير في استراتيجية ملائمة لتوظيف تلك الكفاءات والموارد البشرية لمساعدة منطقتها على النهوض وبناء شبكة علاقات تعاون بنّاءة ومثمرة مع مؤسسات إقتصادية ومناطق أخرى في العالم.

موارد ثقافية مهددة

كثيرون هم السياح الأجانب الذين يقصدون مناطق ووجهات سياحية جذابة في تونس، تجتذبهم السياحة الثقافية بفضل وجود آثار ومعالم تاريخية..ولا توجد منطقة الرقاب أو ما يعرف قبل قرن بـ”قنيفيدة” (الاسم التاريخي) ضمن تلك المناطق رغم قربها من بعضها مثل القيروان مركز المآثر والمعالم الإسلامية أو اللجم وسبيطلة الغنيتان بالآثار الرومانية، ليس فقط لعدم وضع الرقاب ضمن مسالك وطرق السياح في البلاد، بل ايضا بسبب الإهمال الذي يطال آثار عديدة موجودة في المنطقة.

وفي كتابه النادر حول تاريخ الرقاب يذكر الباحث محمد العربي الزريبي، وثائقا وصورا لآثار تاريخية تعود إلى العصر الروماني، بعضها مصنف من قبل إدارة التراث التونسية وبعضها ما يزال معرضا للضياع والاندثار..

ويسعى منظمو التظاهرة للفت أنظار الزوار إلى الجانب التراثي والتاريخي للمنطقة وذلك من خلال فعاليات مثل تدشين معارض للصور والوثائق التاريخية النادرة، وإقامة قرية تراثية تضم نماذج للفنون الشعبية والشعر والملابس التقليدية والطبخ ومظاهر من تراث المنطقة في مجالات كالفروسية.

 

تقرير MagDe

تعتبر المؤسسة المغاربية الألمانية للثقافة والإعلام MagDe من المؤسسات المشاركة في رعاية تظاهرة “الرقاب 100 عام مركزا”.

مقالات ذات صلة